عن الدوافع والمحفزات السيكولوجية للثورات : الدافعية الإقتصادية والحراك الإجتماعي الشعبي
بقلم الدكتور/ إسلام بن أحمد اليحيى *
بتاريخ : 13 يونيو 2011م
هناك جدل حول المحفز السيكولوجي ودافعية الحراك الإجتماعي الشعبي في الوضع العربي الراهن وتفشيه الى بعض الدول الأخرى بنسق تفاعل تسلسلي أشبه بتأثير الدومينو كالوباء الجماعي ، فالبعض يربطه بخلفيات إقتصادية وإجتماعية ،والبعض الآخر يربطه بخلفيات سياسية وهناك من يرده لخلفيات دينية أو مذهبية اخفيت بستار إقتصادي وإجتماعي. ربما لأننا رأينا كيف أن هناك تحركات شعبية حاول أن يستغلها دعاة الفتنة عندما وجدوها فرصة سانحة لمحاولة تحقيق أجنداتهم السياسية الراديكالية والضرب بمشاريع الإصلاح والحوار عرض الحائط من خلال إندساسهم في صفوف موجات قاطرة الحراكات الإجتماعية الشعبية العربية الإصلاحية التي حدثت مؤخرا في بعض البلدان العربية.
إلا أن بالفعل هناك شعوب أنفجرت تحت وطأة القهر من ظروفها المعيشية الإجتماعية والإقتصادية المتأزمة والقاسية ..... كإنخفاض متوسط مستوى دخل الفرد لأدنى المستويات وارتفاع نسة البطالة والفساد الإداري والهدر في الموارد العامة والتوزيع غير الكفئ للمال العام في غياب الرقابة والمساءلة وتدني درجة الشفافية وغياب الإصلاحات النوعية الإقتصادية والإجتماعية. اذ انها دوافع ذات خلفية اقتصادية.
لذا كان متوقع لدى بعض المحللين السياسيين الإقتصاديين أن تنهض بعض هذه الشعوب لتطالب بالتغيير الذي يضمن لها الحرية والتحرر من القيود وإزالة العقبات التي تحول بينها وبين أوجه التنمية الحقيقية. إذ أن حرية الرأي والممارسة تسبق عملية التنمية الفعالة والمستدامة وتتبعها والتنمية الفعالة والمستدامة تتطلب حرية الرأي والممارسة وتؤدي إليها. ومن منطلق علاقة التأثير المتبادلة بين التنمية الفعالة والمستدامة وحرية الرأي والممارسة بمفاهيما وصورها وتطبيقاتها الصحيحة تجعل من الصعب تصور وجود تنمية حقيقية في اي مجتمع لا يملك أفراده حرية الرأي والممارسة ومن جهة أخرى يصعب تصور وجود حرية الرأي والممارسة إلا في المجتمعات التي تتبنى وتعتني بخطط التنمية الإجتماعية الشاملة والتي تمثل التنمية الإقتصادية أبرز صورها وأحد أهم أركانها وتوليها إهتمام كبير.
فالرأي الذي يربط الحراك الإجتماعي الشعبي بخلفية إقتصادية يحظى بقبول واسع في الوسط العلمي.والتاريخ يشهد على أن الحراكات الشعبية الكبرى بإختلاف تنظيماتها وغاياتها يجمع بينها الدافعية الإقتصادية.
فثورة شعوب المستعمرات الإمريكية ضد الإنجليز عام 1775م بقيادة جورج واشنطن إندلعت بسبب السياسة الإقتصادية (إذ أرتبطت بالقوانين التجارية القاسية وثقل الضرائب الجديدة التي فرضت عليها) .... فبعد خروج إنجلترا من حرب السنين السبع مع فرنسا وهي تعاني من أزمة مالية حادة قامت بفرض ضرائب جديدة على سكان المستعمرات وقانون الملاحة الذي يحتم نقل كافة الصادرات الإمريكية الى انجلترا وعلى سفن انجليزية بعد خروجها من حرب السنين السبع مع فرنسا فتذمر الشعب الامريكي فرفعت انجلترا الضرائب ماعدا ضرائب الشاي فاجتمع الامريكيون وعلى رأسهم جورج واشنطن فيما سمي (حفلة شاي بوسطن) فقابلت انجلترا هذا التذمر بالسلاح فقامت الثورة الاميريكية حتى هزمت الانجليز عام 1777م بمساعدة فرنسا واستقلت عام 1783م . وكان هناك قائد من أصل عربي يسمى (جيمس الوحيدي) ساعدهم في حروبهم ضد الانجليز.
والثورة الإنجليزية التي بدأت بعصيان تجار لندن عن دفع الضرائب التي فرضها الملك تشارلز الأول عام 1628م .
والثورة الفرنسية الشهيرة ( ثورة باريس ) ، قامت بسبب تراجع إنتاج المحاصيل وتأزم الإقتصاد الزراعي وارتفاع المجاعة وتفشي البطالة بالمدن اضافة الى الضرائب المفروضة على اساس الفئات الشعبية والتفاوت الطبقي، مما أدى إلى توالي الانتفاضات انطلاقا من المزارع الى وسط باريس يوم 4 أغسطس 1789م .
الثورة البلشيفيّة في روسيا عام 1917م والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة بسبب الضرائب المجحفة والبطالة وضعف الأجور التي أوجدت وضعا اقتصاديّا واجتماعيّا مترديّا تجاوزته الثّورة البلشيفيّة بالسّياسة الاقتصاديّة الجديدة.
وثورة شعوب الإتحاد السوفييتي التي أدت الى إنهيار الإتحاد السوفييتي عام 1991م وسقوط النظام الشيوعي نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتردية.
الثورة الجمهورية او الثورة الصينية الأولى اثر انتفاضة ووشانغ في 1911م، بسبب الاهتزازات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي خلخلت أساس النظام القديم، والاعلان عن الجمهورية الصينية في 1912م. وكان الرئيس صن يات صن ( 1816م - 1925م ) هو اول رئيس للحكومة، وعبر عن الدافعية الإقتصادية وتفكيره عبر مفهوم (معاش الناس) كأحد المبادئ الثلاثة التي ينبغي ان ينهض العمل السياسي عليها.
ثورة الطلاب في ساحة التينانمن في بكين في يوم 26 ابريل 1989م .. وبعد هذه الحدث غيرت القيادة الصينية استراتيجيتها واعتدلت سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مما قاد إلى النمو الصيني الاقتصادي الذي لا شبيه له.. وغيرها من الحركات الشعبية التاريخية.
فالدافعية الإقتصادية على الأغلب هي المحفز السيكولوجي للحراك الإجتماعي الشعبي لكن في النهاية كمحصلة فإن الأوضاع الهيكلية والتنظيمية السائدة في مجتمع معين هي التي تحدد إتجاه هذا الحراك في ذلك المجتمع. وفي غياب الدوافع الإقتصادية يستبعد أو تضعف إحتمالية حدوث حراك إجتماعي شعبي.
* دكتوراه في الإدارة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق