أساسيات العمل المصرفي القائم على الربح أوالخسارة
مجلة شباب- يونيو 2007 - د. إسلام اليحيى
تحديث بتاريخ 20 أكتوبر 2010م
تعريف المصرف الإسلامي:
المصرف الإسلامي هو مصرف يلتزم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في جميع المعاملات المصرفية والاستثمارية، من خلال تطبيق مفهوم الوساطة المالية القائمة على مبدأ المشاركة في الربح أو الخسارة، ومن خلال إطار الوكالة بنوعيها العامة والخاصة.
نبذة عن المصارف الإسلامية:
رغم أن جذور المصارف الإسلامية تضرب في أعماق التاريخ الإسلامي حيث عرفت في العصور الإسلامية الأولى بعض الأدوات المالية مثل السفتجة والصك والبراءة والرقاع والحوالة والمقاصة لكن المصارف الإسلامية في شكلها الحديث تعتبر حديثة النشأة لم يتجاوز عمرها ثلاثين عاماً. وقد جاءت محاولات إنشاء المصارف الإسلامية لتلبية رغبة المجتمعات الإسلامية في وجود تعامل مصرفي متوافق مع ضوابط الشريعة الإسلامية بعيدا عن شبهة الربا وبدون استخدام سعر الفائدة. فكانت أول محاولة لإنشاء مصرف إسلامي عام 1963م حيت تم إنشاء ما يسمى ببنوك الادخار المحلية بجمهورية مصر العربية. وفي عام 1972م جاء التوجه الحقيقي لإنشاء مصارف إسلامية تعمل طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية في توصيات مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، حيث نصت التوصيات على ضرورة إنشاء مصرف إسلامي دولي للدول الإسلامية. وبناء على هذه التوصيات جاء إعداد اتفاقية تأسيس البنك الإسلامي للتنمية، والتي وقعت من وزراء مالية الدول الإسلامية عام 1974م. وباشر البنك الإسلامي للتنمية أعماله عام 1977م بمدينة جدة، إلا أن هذا البنك يعتبر بنك يتعامل مع الحكومات ولا يتعامل مع الافراد في النواحي المصرفية.
أما أول مصرف إسلامي شامل ومتكامل يتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية فقد افتتح عام 1975م وهو بنك دبي الإسلامي حيث يقدم جميع الخدمات المصرفية والاستثمارية للأفراد طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية. بعد ذلك، توالى إنشاء المصارف الإسلامية لتصل إلى أكثر من 204 مصرف على مستوى العالم وذلك استنادا لإحصائية الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية عام 1998م، هذا بخلاف فروع المعاملات الإسلامية للبنوك التقليدية على مستوى العالم. وفي عام 2004م تجاوز عدد المصارف الإسلامية 265 مؤسسة مالية مصرفية أصولها الإجمالية تزيد عن 262 مليار دولار وتمتلك ودائع تزيد عن 202 مليار دولار في حين بلغت استثماراتها المالية ما يزيد عن 400 مليار دولار تعمل بقاعدة رأسمالية تقارب 13 مليار دولار. هذا فضلا عن أن نسبة نموها السنوية عالية جدا إذ انها تتراوح ما بين 15% إلى 20% سنويا مما يجعل قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية من أسرع القطاعات المالية نموا في العالم. في الوقت الذي تتوقع فيه مصادر مصرفية، ارتفاع أصول ودائع المصارف الإسلامية إلى تريليون دولار عام 2012 ـ باستثناء النوافذ الإسلامية التقليدية وصناديق الاستثمار الإسلامي ـ مدفوعة أيضا بنمو سنوي يتراوح بين 15% و20%، فقد نمت الصناعة المصرفية الإسلامية بشكل سريع، على امتداد العقود الأربعة الماضية، إذ ازداد عدد المصارف الإسلامية في العالم الى نحو 450 مؤسسة ومصرفاً حول العالم، يتركز نحو 40% منها في الدول العربية وتحديداً في دول الخليج العربي. وتوسعت قاعدة موجودات هذه المصارف والمؤسسات المالية لتتجاوز 700 مليار دولار. والجدير بالذكر أن هذه المصارف الإسلامية تعمل في 49 دولة تشمل معظم دول العالم الإسلامي وأوروبا وأمريكا الشمالية وبعض المناطق الأخرى بينما يقدم أكثر من 300 بنك تقليدي منتجات مصرفية إسلامية.
وأكد خبراء آخرون، أن الأصول المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية والمعدة للاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأقصى، بلغت 267 مليار دولار خلال عام 2010م نتيجة التوسع الاقتصادي القوي، وارتفاع الإنفاق الحكومي ومستوى السيولة النقدية، ما يؤدي إلى تأمين عائدات كبيرة لصناعة إدارة الأصول الإسلامية تقدر بـ1.34 مليار دولار. ويُذكر أن حصة دول مجلس التعاون الخليجي تبلغ نحو 90% من الأصول لمجموع المصارف الإسلامية في الدول العربية، نصفها تقريباً في السعودية، تليها الإمارات بنحو 20%، ثم الكويت بـ17.4%، والبحرين 11%. وتبلغ قاعدة حقوق المساهمين للمصارف الإسلامية العربية 32.7 مليار دولار، ما يشير إلى استمرارها في تعزيز قواعدها الرأسمالية لمواجهة نشاطها وازدياد حجم أعمالها.
أما على المستوى المحلي في المملكة العربية السعودية فإن البنك الأهلي التجاري الذي أعلن قبل عدة سنوات عن تحوله إلى بنك إسلامي يتعامل وفق ضوابط و أحكام الشريعة الإسلامية وكذلك شركة الراجحي المصرفية للاستثمار فيعتبران أشهر المصارف الإسلامية على مستوى المملكة العربية السعودية.
أهمية وخصائص المصارف الإسلامية:
المصارف الإسلامية أصبحت ضرورة حتمية لتعزيز روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الكثير من المجتمعات. كما أصبح التنافس جليا وواضحا حتى في البنوك الأجنبية وذلك بفتح أقسام أو فروع للتعاملات الإسلامية لديها. وتعود أهمية وجود المصارف الإسلامية إلى عدة أسباب أهمها تلبية رغبة المجتمعات الإسلامية في وجود قنوات للتعامل المصرفي بعيدا عن أسعار الفائدة. وكذلك إلى إيجاد مجال لتطبيق فقه المعاملات في الأنشطة المصرفية، إذ تعد المصارف الإسلامية التطبيق العملي لأسس الاقتصاد الإسلامي. وقد وفرت نوعا من التعامل المصرفي لم يكن موجودا في القطاع المصرفي التقليدي، عندما أدخلت أسس للتعامل بين المصرف والعميل أو المتعامل تعتمد على المشاركة في الأرباح والخسائر بالإضافة إلى المشاركة في الجهد من الطرفين، عوضا عن أسس التعامل التقليدي القائم على مبدأ المديونية وإقراض الأموال فقط دون المشاركة في العمل. كما أوجدت المصارف الإسلامية أنظمة للتعامل الاستثماري في جميع القطاعات الاقتصادية وهي صيغ الاستثمار الإسلامية مثل المرابحة والمضاربة والاستصناع والمشاركة والتأجير وغير ذلك من أنواع صيغ الاستثمار التي تصلح للاستخدام في كافة الأنشطة.
وتتميز المصارف الإسلامية عن غيرها من المصارف التقليدية بعدة خصائص أهمها تطبيق أحكام وضوابط الشريعة الإسلامية في جميع المعاملات المصرفية والاستثمارية، وتطبيق أسلوب المشاركة في الربح أو الخسارة في المعاملات والالتزام بالصفات الاستثمارية التنموية الايجابية، وتطبيق أسلوب الوساطة المالية القائم على المشاركة، وتطبيق القيم والأخلاق الإسلامية في العمل المصرفي، وتقديم مجموعة من الأنشطة التطوعية والخيرية التي عادة ما لا تقدمها المصارف التقليدية.
العقود المالية في الفكر الإسلامي:
أشارة المصادر الفقهية إلى أنواع عديدة من صيغ العقود المرتبطة بالمعاملات المالية. ويمكن تصنيف هذه العقود إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: 1- عقود المعاوضات. 2- عقود المشاركات. 3- عقود التبرعات. ويتفرع كل نوع منها إلى عدد من العقود ذات خصائص متقاربة. والشكل التالي يتضمن إطارا عاما للعقود الإسلامية في الفكر الإسلامي. ومن هذا الإطار ظهرت العديد من المسميات للمنتجات والخدمات التي يمكن تقديمها في العمل المصرفي القائم على الربح أو الخسارة كالمرابحة والمضاربة والإجارة وأعمال التأجير والمشاركة والاستصناع وبيع السلم والمتاجرة والمزارعة والمساقاه وغيرها. وفيما يلي سيتم استعراض أهم تلك المنتجات والخدمات دون التعمق فيها من الناحية التطبيقية.
1- المضاربة: عقد بين طرفين يدفع الطرف الأول للطرف الثاني نقودا ليتاجر بها مقابل جزء معلوم مشاع من الأرباح. أي أن يقدم أحد الأطراف المال في حين يقدم الطرف الآخر العمل. ويسمى الطرف الأول في هذه العملية ( رب العمل ) بينما يسمى الطرف الثاني ( المضارب )، ويتقاضى المضارب نسبة من الأرباح حسب ما هو متفق عليه في عقد المضاربة. وفي عقد المضاربة يشارك المضارب في الربح فقط ولا يشارك في الخسارة، فيكفيه خسارة جهده وعمله، بشرط أن لا يكون قد قصر أو خالف ما اشترطه عليه رب المال، وإذا ثبت العكس فإنه يضمن الخسارة حينئذ أي يكون ملزم بردها. وتنقسم المضاربة إلى نوعين: أ- المضاربة المطلقة وهي المضاربة التي لم تقيد بزمان ولا مكان ولا ما يتاجر فيه المضارب ولا من يتعامل معه ودون قيد من القيود. ب- المضاربة المقيدة وهي المضاربة التي قيدت بشيء من تلك القيود ونحوها. وإذا خالف المضارب ما قيد به كان ضامنا.
وقد يكون عقد المضاربة بشكل فردي أو جماعي، فالشكل الفردي هو أن يشترط المستثمر بأن تكون أمواله مستثمره لوحدها دون خلطها بأموال المستثمرين أو العملاء الآخرين. أما الشكل الجماعي فهو أن تخلط مع أموال مستثمرين آخرين ويشاركهم نتيجة الأعمال من ربح أو خسارة. وقد طورت بعض المصارف الإسلامية الفكرة الأساسية لهذا العقد في أكثر من مجال منها ما يلي: أ- المضاربة التمويلية: يدفع المصرف للعميل رأس مال محدد متفق عليه على أن يقوم العميل بتوظيف هذا المال في نشاط تجاري متفق عليه يقبله المصرف ويكون الربح المحقق من هذا النشاط موزعاً بين المصرف وعميله بحسب النسب المشاعة المتفق عليها عند توقيع عقد المضاربة. ب- المضاربة الاستثمارية: من خلال استقطاب مدخرات العملاء وتوظيفها في نشاط استثماري متفق عليه ومتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية بحيث يقسم الربح المحقق من ذلك النشاط بحسب النسب المشاعة المتفق عليها عند توقيع عقد المضاربة. وقد طورت المصارف الإسلامية هذه الآلية لتعزيز قدراتها المالية في مجال تمويل عملائها أو من خلال الصناديق الاستثمارية التي تدار من قبلهم.
2- المشاركة: عقد مشاركة بين أكثر من طرف في مشروع أو برنامج استثماري بعدد معين من الحصص النقدية أو العينية على أن يتقاسم المشتركون في هذا المشروع - كلٌ حسب حصته- نتيجة الأعمال من الربح أو الخسارة بعد تغطية مصاريف إدارة المشروع أو أي التزامات مالية عليه. قد تكون المشاركة أحد أساليب الاستثمار عندما تكون صكوك المشاركة قابلة للتداول أو التسييل كما هو الحال في أسهم الشركات ووحدات الصناديق الاستثمارية والمساهمات. وقد تكون احد أساليب التمويل عندما يقدم أحد الأطراف حصة من إجمالي التمويل اللازم لتنفيذ عملية، على أن يقدم الشريك الآخر ( طالب التمويل ) الحصة المكملة. بالإضافة إلى قيام طالب التمويل بإدارة عملية المشاركة والإشراف عليها فتكون حصته مشتملة على حصة في المال بالإضافة إلى حصة العمل والخبرة والإدارة. وتنقسم المشاركة إلى نوعين رئيسيين: 1- المشاركة الثابتة: هي مشاركة تقوم على تمويل جزء من رأس مال مشروع معين مما يترتب عليه أن يكون كل طرف شريكا في ملكية المشروع. وفي هذا الشكل يبقى لكل طرف من الأطراف حصة ثابتة في المشروع إلى حين انتهاء المشروع أو المدة المحددة في الاتفاق. 2- المشاركة المتناقصة: هي مشاركة يكون فيها من حق الشريك أن يحل محل الشريك الآخر في ملكية المشروع، إما دفعة واحدة أو على دفعات حسب ما تقتضيه الشروط المتفق عليها وطبيعة العملية.
3- المرابحة: بيع المرابحة هو نوع من بيوع الأمانة الجائزة بلا خلاف بين الفقهاء. وهي عملية بيع اجل لسلعة ما ويحدد الربح لتلك العملية مقدما. ويمكن اعتبارها شكلا من أشكال التمويل عن طريق البيع بالأجل بربح معلوم. وفي هذه الصيغة يمكن دفع القيمة الآجلة للسلعة بإحدى طريقتين. الأولى دفعة واحدة عند تاريخ الاستحقاق. والثانية بتقسيط تلك القيمة و دفعها على أقساط يتفق عليها عند توقيع العقد. وفي هذه الصيغة فإن الطرف المشتري يلتزم بدفع كامل المبلغ حسب الشروط المحددة بعقد المرابحة. وقد طورت بعض المصارف الإسلامية الفكرة الأساسية لهذا العقد في أكثر من مجال منها ما يلي:
أ- المرابحة الشخصية: تحتاج شرائح كبيرة من موظفي القطاعين العام والخاص وأصحاب المهن الحرة للحصول على بعض السلع للاستخدام الشخصي كالمنازل والسيارات والمعدات والأجهزة المنزلية وغيرها. وبما أن دخولهم لا تكفي لشراء تلك السلع بالدفع الفوري لقيمتها فإن المصرف الإسلامي يوفر لتلك الشرائح تلك السلع بوسائل دفع ميسرة عن طريق بيع المرابحة. ولكي تكون هذه العملية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ينبغي أن تظهر معالم البيع واضحة بواسطة التحقق من امتلاك المصرف للسلعة ودخولها في ضمانه قبل بيعها للعميل. ولا يجوز للمصرف شراء سلعة من أحد عملائه سبق أن باعها له من قبل.
ب- المرابحة التجارية: قد لا تفي الموارد المالية المتاحة لبعض المؤسسات والشركات التجارية بشراء متطلباتها من السلع والخدمات بالدفع الفوري لقيمتها مما يجعلها تلجأ إلى المصرف الإسلامي لتمويل شراء تلك السلع والخدمات بشروط دفع مؤجلة.وقد طورت المصارف الإسلامية لهذا الغرض ما يعرف بالمرابحة التجارية حيث يعتمد المصرف الإسلامي سقفاً ائتمانياً للتمويل ويمنح العميل بموجبه حق الاستفادة من ذلك السقف في تمويل شراء ما يحتاجه بالمرابحة. بحيث يقوم المصرف بشراء وتملك السلع والبضائع التي يحددها العميل - في حدود السقف الائتماني الممنوح له- ودفع قيمتها فورا ثم إعادة بيعها للعميل بثمن مؤجل يقوم العميل بتسديده حسب شروط دفع مؤجله متفق عليها.
ج- الإعتمادات المستندية بالمرابحة: يلجأ رجال الأعمال عند تمويل عمليات استيراد السلع من السوق الدولية إلى البنوك التجارية لفتح الإعتمادات المستندية لمصلحة الموردين لتلك السلع. وقد طورت بعض المصارف الإسلامية في هذا المجال آلية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية يطلق عليها تمويل الإعتمادات المستندية بالمرابحة. ويقوم المصرف الإسلامي من خلال هذه الآلية بفتح الاعتماد المستندي باسم المصرف ولصالحه بغرض تحقق ملكيته للبضاعة ثم يقوم المصرف بعد وصول مستندات شحن البضاعة ببيعها للعميل بثمن مؤجل يدفع على أقساط يتفق عليها بين المصرف الإسلامي والعميل.
د- المرابحة الاستثمارية: إن كثير من عملاء المصارف يحتاجون إلى آلية توفر لهم فرص لاستثمار السيولة أو المدخرات النقدية وفق ضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية. لذا فقد طورت المصارف الإسلامية ما يعرف بالمرابحة في السلع يتم من خلالها قيام المصرف بالوكالة عن عميله بشراء سلع من السوق كالأسهم والمعادن وغيرها من السلع المتاحة بالأسواق الدولية والمحلية، ثم بيعها بعد ذلك إلى أطراف أخرى بسعر أعلى وبشروط دفع مؤجلة وبهذا تمكنت المصارف الإسلامية من الاستجابة لرغبة عملائها في استثمار مدخراتهم بطريقة شرعية وذات مخاطر متدنية مع تحقيق أرباح مقبولة على المدى القصير والطويل.
4- الإجارة أو أعمال التأجير: الإجارة من الناحية الشرعية هي عقد لازم على منفعة مقصودة قابلة للبذل والإباحة لمدة معلومة بعوض معلوم. وهذه أيضا صيغة كثر التعامل بها في مجال العمل المصرفي على المستوى العالمي. ويقوم فيها الطرف الأول (المصرف) بشراء أصول معينه مثل السيارات والمعدات والعقارات وغيرها بغرض تأجيرها للطرف الثاني (العميل) وقد ينتهي هذا التأجير بالتملك حيث يتفق العميل مع المصرف على دفع إيجار لمدة معينة بعدها تتحول ملكية الأصل للعميل وفق شروط عقد واضحة بينهما. والإجارة المذكورة صورة مستحدثة من صور التمويل، أسست على ضوء قواعد الإجارة، وفي صيغة تمويلية تسمح بالتيسير على الراغب في اقتناء أصل رأسمالي، ولا يملك مجمل الثمن فورا. وقد تكون الإجارة أيضا في صيغة عقد بين طرفين يقوم فيه الطرف الأول بدور الأجير للقيام بأعمال معينة للطرف الثاني وذلك نظير أتعاب محددة. وقد تكون تلك الأتعاب المحددة كنسبة من الأرباح أو الأصول أو مبلغ ثابت مقطوع. وتسمى هذه الصيغة أيضا بالعجالة.
5- المتاجرة: عقد بين طرفين يقوم فيه الطرف الأول (العميل) بدفع مبلغ للطرف الثاني (المصرف على الأرجح) ليقوم الأخير بالمتاجرة بها بالبيع والشراء في سوق الأسهم والعملات والمعادن الثمينة أو غيرها. إذ يقوم المصرف بشراء الأسهم أو المعادن الثمينة لتوقعه ارتفاع سعرها ومن ثم الاحتفاظ بها لمدة معينة ثم بيعها محققا بذلك ربحا في حالة حصول ارتفاع في السعر. وأقرب مثال على تطبيق هذه الصيغة في مجال العمل المصرفي هي صناديق الاستثمار القائمة على مبدأ المتاجرة.
6- بيع السلم: هو بيع موصوف في الذمة بثمن معجل. ومشروعيته جاءت بالكتاب والسنة والإجماع. وهو عقد بين طرفين يلتزم فيه الطرف الأول (العميل) على دفع قيمة البضاعة مقدما على أقساط للطرف الثاني (المصرف) على أن يتم استلام البضاعة بعد اكتمال دفع القيمة.
7- بيع التورق: عند قيام العملاء بشراء سلع استهلاكية كالسيارات من خلال البنوك بالأجل ثم إعادة بيعها في السوق بسعر معجل للحصول على النقد فإنهم يتكبدون المشقة والعناء والتكلفة العالية. لذا طورت المصارف الإسلامية صيغة أقل تكلفة وأكثر مرونة يطلق عليها في المصطلح الشرعي التورق. وحسب هذه الآلية يقوم المصرف بعرض سلع سريعة التداول على العميل وبيعها له بسعر مؤجل ليقوم العميل بعد ذلك ببيع هذه السلعة لطرف ثالث بثمن معجل يكون عادةً أقل من ثمن الشراء للحصول على النقد. وعند حلول الأجل يدفع العميل للمصرف ثمن السلعة حسب السعر المؤجل والطريقة المتفق عليه.
8- الاستصناع: الاستصناع لغة هو طلب عمل الصنعة من الصانع فيما يصنعه. واصطلاحا عند بعض الفقهاء هو عقد على مبيع في الذمة يشترط فيه العمل على وجه مخصوص. ويأتي على شكل عقد بين طرفين يلتزم فيه الطرف الأول (المصرف) بتقديم التمويل والتنفيذ لمشروع مقدم من الطرف الثاني. ودور الطرف الأول هنا لا يقتصر فقط على التمويل (كما هو الحال لدى البنوك التقليدية) بل يتعدى ذلك إلى دور المنفذ. وقد بدأ الاستصناع يحتل دورا كبيرا في استثمارات المصارف الإسلامية. فقد قامت المصارف الإسلامية بتمويل كثير من المشاريع العقارية والصناعية والتجارية بنظام الاستصناع، وساهمت بذلك في حل الكثير من المشكلات المعاصرة. وقد طورت بعض المصارف الإسلامية الفكرة الأساسية لهذا العقد في أكثر من شكل منها ما يلي:
أ- الاستصناع المصرفي: هو عقد بيع بين الصانع والمستصنع على سلعة موصوفة في الذمة تدخل فيها الصنعة مقابل ثمن يدفع مقدماً أو مؤجلاً على دفعة واحدة أو على عدة دفعات حسبما يتفقان عليه يقوم بموجبه الصانع بصناعة السلعة أو الحصول عليها من السوق عند حلول موعد تسليمها. وقد طورت بعض المصارف الإسلامية هذا العقد ليكون أداة تمويلية يستخدم عند الرغبة في صناعة وتشييد الطائرات والسفن والمباني ومحطات الطاقة والمعدات والآلات المصنعة بمواصفات خاصة. ويتعاقد المصرف الإسلامي عادةً مع المستصنع للقيام بدور المقاول الرئيسي الذي يتولى تنفيذ وتمويل العين محل التعاقد ويجوز للمصرف الإسلامي التعاقد من الباطن مع الصانع للقيام بالتنفيذ حسب المواصفات الفنية المحددة من قبل المستصنع.
ب- الاستصناع الموازي: لقد طورت بعض المصارف الإسلامية الاستصناع المصرفي والاستصناع الموازي ليمثلان وجهان لعملة واحدة تستخدم للتمويل في مجال بناء وتشييد الطائرات والسفن ومحطات الطاقة والمباني والمعدات. ففي الاستصناع الموازي يقوم المصرف الإسلامي بعد التعاقد مع المستصنع لبناء وتشييد العين الموصوفة في الذمة بالتعاقد مع الصانع من الباطن بعقد استصناع موازي يقوم الصانع بموجبه ببناء وصناعة العين محل عقد الاستصناع بنفس المواصفات المحددة في عقد الاستصناع المصرفي وبشروط دفع وفترة تنفيذ مختلفة عنه. وتكون العلاقة التعاقدية من جانب بين المصرف الإسلامي والمستصنع من خلال عقد الاستصناع المصرفي ومن جانب آخر بين المصرف الإسلامي والصانع من خلال عقد الاستصناع الموازي.
9- المزارعة: هي عقد بين طرفين على الزرع بجزء من الخارج منه. وهي أن يقوم الطرف الأول بتوفير أرض للطرف الثاني ليزرعها أو يعمل عليها ويكون ما ينتج منها من زرع بينهما بالنسب المتفق عليها. وهي جائزة برأي كثير من الفقهاء. وهناك فرق بين المزارعة والإجارة وأعمال التأجير، لذا فإن الطرف الثاني (أي الزارع) لا يحق له المطالبة بأجره نظير ما بذله من جهد وعمل إن لم تأتي الأرض بمحصول، لأنه شريك لصاحب الأرض في هذا العقد، والطرف الأول (صاحب الأرض) أيضا خسر منفعة أرضه.
المراجع:
1- أساسيات العمل المصرفي القائم على الربح أو الخسارة، الدكتور/ الغريب ناصر.
2- المصارفة بدون فوائد بين الحقيقة والخيال، الأستاذ/ عياد المهلكي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق